اعلام الدعوة

الشيخ سعيد النورسي .. باعث الحركة الإسلامية في تركيا
 

 

من موقع تراث الاخوان "اخوان ويكي"

إعداد: محمد الصياد

هو العالم الرباني المجاهد ، القدوة الصالح ، التقي الديّن الورع ، العابد المثابر ، الشيخ سعيد النُّورْسي ، الملقب ببديع الزمان ، الكردي الأصل ، التركي المولد والوفاة .

ولد الشيخ سعيد النورسي سنة 1293ه ، في قرية من قري خيزان التابعة لمحافظة بتليس ، تسمي نورس ، من بلاد شرق الأناضول في تركيا . وتوفي في مدينة أُورفة في ليلة الخامس والعشرين من رمضان سنة 1379 عن 86 سنة رحمه الله تعالي .

كان هذا الناشئ الوليد أحد أذكياء عصره وزمانه باهر الذكاء سريع الحفظ قوي الذاكرة منذ نشأته وطفولته ، تلقي علومه في المدارس والتكايا التي كانت منتشرة في بلاد تركيا في العهد العثماني ، والتي كانت تعتبر من أهم المراكز العلمية الإسلامية آنذاك .  

ولفرط ذكائه واستعداده الفطري الهائل ، تعلم العلوم المختلفة ، في مدة وجيزة وهو دون سن البلوغ ، فدرس من العلوم العربية النحو والصرف وأتقنهما في سنتين ، وعكف علي دراسة العلوم الشرعية والفقه علي شيخه محمد جلالي رحمه الله تعالي مدة ثلاثة أشهر ، وكان لديه استعداد فطري لقبول مختلف العلوم ، الشرعية والعصرية ، وكان يفهم كل كتاب يقرأه ، ويطالعه كثيرا ، وكان لا يهتم بمظهره .

وبعد فترة انعزال وتزهد بدأ البحوث والمناظرات العلمية ، فقد كان يلقي العلماء والمشايخ ويناظرهم في شتى المسائل ، حفظ كتاب "جمع الجوامع" في أصول الفقه للتاج السبكي وهو من أصعب العلوم خلال أسبوع واحد ، وحفظ في أيام معدودة من القاموس المحيط للفيروز آبادي في اللغة من أوله حتى باب السين ، وحفظ المفردات اللغوية أصعب من حفظ العبارات الأصولية بكثير جدا .

وطالع كثيرا من كتب علم الكلام والمنطق والنحو والتفسير والحديث والفقه ، وحفظ كتبا عديدة منها عن ظهر قلب ، فحفظ أكثر من ثمانين كتابا من أمهات كتب العلوم الإسلامية .

وقد أدهش بقوة ذكائه وشدة حفظه وسرعته شيخه فتح الله أفندي فاختبره بقوله : هل تستطيع أن تقرأ بضعة أسطر من هذا الكتاب مرتين وتحفظها ؟!

ومد له كتاب مقامات الحريري فأخذ الكتاب وقرأ منه صفحة واحدة مرة واحدة ، فإذا بها كافية لحفظها ، مما أذهل شيخه وجعله يقول : إن اجتماع الذكاء الخارق مع القوة الخارقة للحفظ شيء نادر جدا .

وحاول طائفة من العلماء إحراجه في المسائل الدقيقة ، فأفحمهم وهو لم يجاوز السادسة عشرة من العمر .

وكانت له شخصية فذة عرف بها ، وشكيمة قوية عجيبة ، لا يتحمل الظلم ولا يقبله ، ويعارض من خالف الدين كائنا من كان ، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ولو كان ذلك سيكلفه حياته ، وله مواقف مشرفة باهرة مع الحكام والقضاة ومع الطاغوت مصطفي كمال ، انتصر فيها علي أعداء الدين ، ولقي في ذلك الشدائد والأهوال ، فما تزحزح عن موقفه في محكمة أو سجن أو عذاب ، وبقي صابرا داعيا إلي الإسلام والقرآن والدين إلي آخر نفس من حياته رحمه الله تعالي . وعاش عزَبَاً لم يتزوج طول حياته ، ولما سُئل عن اختياره العزوبة علي الزواج أجاب قائلا : إنني لا أستطيع أن أقوم بواجبات الزوجة علي ما أنا فيه من حياة القلق والاضطراب .

ذهب إلي مدينة وان في شمال تركيا بدعوة من واليها وبقي هناك خمس عشرة سنة يدرس في مدرسة "خور خور" ، وتلقي عنه كثير من العلماء والمشايخ ، وكان يجول في القبائل المجاورة ، يرشدهم ويعلمهم ، وجرت له عدة مناقشات مع المسئولين هناك في تلك المقاطعة ، عرف منها أن علم الكلام لا يكفي وحدده للإقناع والقبول عند ذوي العلوم العصرية فدرس في العلوم الطبيعية ، وأتقن علوم الجغرافيا والرياضيات والفيزياء والفلك في مدة يسيرة .

وأيقن واستقر في نفسه ضرورة تدريس العلوم الطبيعية بالإضافة إلي العلوم الدينية والعقيدة الإسلامية التي هي الأساس والنتيجة والمقصد في ذلك ، وبذلك يتمهد الطريق أمام الذين لا يفهمون إلا بلغة العلوم الطبيعية ، لكي يهتدوا إلي الإسلام وعقيدته . وقد قام بهذه الطريقة في المدرسة التي كان يدرس بها ، واتبعت هذه الطريقة فيها من بعده .

وهذه النتيجة التي توصل إليها ، والتي تدل علي أن الإسلام دين الفطرة ، كانت هي النواة الرئيسية لسلوكه وحركته فيما بعد . وليست الجامعة التي عمل علي إنشائها هناك باسم مدرسة الزهراء إلا خطوة لتحقيق هذه الغاية ، حتى يفهم الناس كل الناس أن الإسلام دين الإنسانية ، ودين الفطرة ، وأن القرآن الكريم كتاب الله المرشد إلي الحق والصواب .

وقرر أن يوسع مدرسة الزهراء بجعلها جامعة إسلامية كبيرة علي غرار الجامع الأزهر في مصر ، ويدرس العلوم القرآنية إلي جانب العلوم المجردة ، وبذلك يتحرج من هذه المدرسة شباب ينشرون الإسلام أينما ذهبوا . هذه الأفكار التي كانت تراوده ، كان لابد لها أن تخرج من مرحلة التفكير والتعميم إلي مرحلة العمل والتنفيذ ، ولذلك قرر السفر إلي استنبول .

دعا العلماء ووجهاء البلد فور وصوله إلي استنبول ، إلي اجتماع ، وأفهمهم الغاية التي جاء من أجلها ، وطلب مساعدتهم في الشئون العلمية والمادية ، وقد لاحظ المجتمعون به ذكاءه النادر ، ونظرته الثاقبة ، وفكرته السليمة فأعجبوا به كثيرا .

يصفه أحد الكتاب بعد مجيئه إلي استنبول فيقول : إن ذكاء خارقا ترعرع بين صخور الشرق ، قد طلع علينا اليوم في آفاق استنبول .

وفيها زاره الشيخ الإمام محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية ، وعالمها الكبير ، فسأله ما تقول في أوربا وما تقول في الخلافة العثمانية ؟ فأجابه قائلا : إن أوربا حاملة بالإسلام فستلده يوما ما ، وإن الإمبراطورية العثمانية حاملة بأوربا وستلدها يوما ما .

فعقب الشيخ علي كلامه بقوله : إن هذا الشاب لا يجاري وإنني مقتنع بكلامه .

كانت حياة النورسي في استنبول سياسية إلي حد ما ، فبعد الانقلاب العثماني والإعلان الدستوري ، صرف جل همه إلي إلقاء الخطب وكتابة المقالات ، مبينا فيها مفهوم الحرية في الإسلام . وتأثير الإسلام علي الحياة السياسية والمطالبة بتحكيم الشريعة الغراء ، وكان يقول : بني وطني لا تسيئوا تفسير الحرية كي لا تذهب من أيديكم ، لا تصبوا العبودية العفنة في قوالب براقة ، وتسقونا من علقمها ، إن الحرية لا تتحقق ولا تنموا إلا بتطبيق أحكام الشريعة ومراعاة آدابها .

وقال في إحدي مقالاته التي نشرها عقب الانقلاب وتوجه الحاكمين إلي العلمانية واللادينية : تحيا الشريعة الأحمدية . إن الشريعة الغراء باعتبارها أزلية قديمة ، سوف تبقي إلي الأبد ، والنجاة والخلاص من ظلم النفس وشرها ، يكون بالاعتماد علي الإسلام ، وبالتمسك بحبل الله المتين ، الاستمتاع الحقيقي بالحرية الحقيقية جزء من الإيمان ومستمد منه ، من كان عبدا لله ، عليه أن لا يطأطئ رأسه للعبيد ، إن كل إنسان لما أنه قائد في عالمه : مكلف بجهاده الأكبر ، ومأمور بالتخلق بأخلاق النبي صلي الله عليه وسلم ، وبإحياء السنة النبوية الشريفة .

يا أولياء الأمور إن تطلبوا النصر والتوفيق وافقوا أموركم بقوانين سنة الله في كونه ، وإلا فلن تحصدوا إلا الفشل والخذلان . وأما مسلكنا فهو التخلق بأخلاق النبي صلي الله عليه وسلم ، ورائدنا الشريعة الغراء ، وسيوفنا البراهين القاطعة ، وهدفنا إعلاء كلمة الله .

واعتقل الشيخ مع الذين اعتقلوا عقب حوادث آذار الشهيرة ، وفي المحكمة سأله الحاكم العرفي : سمعت أنك من المطالبين بتحكيم الشريعة ؟ فأجاب قائلا : لو أن لي ألف نفس لما ترددت بفدائها في سبيل حقيقة واحدة وحكم واحد من أحكام هذه الشريعة ، إنها طريقة السعادة والفضيلة المحضة .

وقد نشر دفاعه أمام هذه المحكمة في كتابيه "وثيقة مدرسة المصائب" و ديوان الأحكام العرفية" . وكان جل همه في هذه الفترة تحكيم الشريعة في كل الشئون ، والرد علي أولئك الذين وضعوا نصب أعينهم إبعاد الشريعة عن الحياة العامة ، وغرتهم الحياة الأوربية وبهرجها .

وذات يوم زاره سعد الدين باشا أحد أعضاء دار الحكمة الإسلامية ، وقال له : سمعت ممن أثق بكلامه أن جماعة من الزنادقة مدعومين من جهات خارجية ، قرأوا كتابا لك ، وقالوا لا يمكننا نشر آرائنا ما دام هذا الرجل حيا ، ولذلك قرروا القضاء عليك ، جئت لأخبرك بالأمر فإنك عزيز علي ، فأجاب بديع الزمان : لقد التجأت إلي الله فهو يحميني، والأجل أجل الله لا يغير ولا يبدل .

وفي سنة 1327 غادر تركيا إلي دمشق ، وحطب في الجامع الأموي بدمشق خطبته المعروفة بالخطبة الشامية . ومما قاله فيها : إخواني في الحياة وبعد الممات : لم آت إليكم بقصد إسداء النصائح ، إنما جئت لأطلب لنا حقا علي العرب والأتراك أنتم أيها العرب أساتذتنا وأشرافنا ، وأنتم أيها الأتراك حكامنا وولاة أمورنا ، قد تكاسلتم وقعدتم عن الأعمال الملقاة علي عواتقكم ، فعم البلاء كافة المسلمين . أيها العظماء أيها النابهون العرب أخاطبكم أولا لأنكم كنتم أئمتنا ، ثم أخاطبكم أيها الترك لأنكم قمتم بمهمة الإسلام السياسية فترة من الزمن ، ثم تركتم وظائفكم فعظمت خطاياكم ، إنني أنتظر من العرب أن يوحدوا صفوف المسلمين ، ويعيدوا إلي الإسلام سالف عهده ، وأملي كبير بأن الأجيال القادمة سوف تعيش اليوم الذي يمتد فيه الإسلام إلي شتى أنحاء العالم .

وبعد أن أسس مدرسته في وان ، وبدأ التدريس فيها ، اشتعلت الحرب العالمية الأولي ، وقد اشترك في الدفاع عن الوطن مع ثلاثة آلاف من تلاميذه قد تطوعوا ، كانت له فيها مواقف بطولية وخدمات جُلّي حيث كان قائدا لمجموعته ، شهد له بها ويرويها قادة المجموعات والألوية التي كانت تحارب معه بإعجاب وإكبار ، وقاتل الشيخ وجماعته قتالا ضاريا ، وسقط منهم الشهيد تلو الشهيد ، يروون كل شبر من أرض الإسلام بدمائهم وكانت كفة العدو "الروس" راجحة في هذه الحرب ، حيث سقطت مدينة بتليس في أيدي الأعداء الروس ووقع الشيخ والبقية الباقية من طلابه في الأسر ، فنقلوا مع من نقل إلي مجاهل سيبيريا .

وبقي في معسكر الأسري في منطقة كوسترما سنتين ، كان يقوم خلالها بإرشاد من هناك من الأسري من ضباط وجنود ، يعرفهم بالإسلام ، ويعلمهم العزة والحمية الإسلامية ويثبّتها عمليا .

وذات يوم زار معسكر الأسري أحد ضباط جيش روسيا البارزين ، كان الأسري يرتعدون خوفا من هذا الضابط الشرس ، وهذا ما كان يرضي ذلك القائد ، إلا أن شيئا واحدا استرعي انتباهه ، حيث أن واحدا من بين الجميع لم يأبه ولم يبالي بمقدم هذا الضابط ولم يقم له !!

وتكرر هذا الحادث ثلاث مرات ، حتى اشتد غيظه فجاء إليه وقال : لعلك لم تعرفني ؟ أجاب : لقد عرفتك ! فيكولو نيكولو فيتش ، ضابط كبير في الجيش الروسي ، فدهش القائد وقال : فلم لم تقم لي إذن ؟ قال : إني أعتز بديني ، وتلك العزة تمنعني من أن أقوم احتراما لأحد . وبذلك كان حبل المشنقة قاب قوسين أو أدنى من رقبة بديع الزمان النورسي ، الذي فضل الموت بعز علي الحياة بذل ، إلا أن ذلك كبُر في قلب القائد ، فعفا عنه بعدما حكم عليه بالإعدام .

ولما عاد إلي وان بعد فكاكه من أسره رجع إلي نشاطه الإسلامي في صفوف المسلمين وتجمعاتهم ، وشعرت حكومة أنقرة حينذاك بهذا الرجل العظيم يفتدي بنفسه في سبيل قضايا أمته ، فوجهت إليه دعوة لزيارة أنقرة ، فاستجاب بعد رجاء صديقه والي طاهر باشا ، وقد أعد له استقبال حافل ، ولكنه وجد ما لم يتوقعه ، فتأثر أشد التأثر ، كانت الحكومة تبتعد عن روح الإسلام وشعائره ، بحجة تمدين تركيا وجعلها دولة أوربية فتية فأعد كتابا تحت عنوان :

 طلب فيه من مجلس النواب عشرة مطالب أساسية منها :

  • 1- أن تلتزم الحكومة بالشعائر الإسلامية وعلي رأسها الصلاة .
  • 2- أن تعلم الحكومة أن أتباع الغرب في جهالته وسفاهته خطر عظيم علي الأمة . وقد عاد نتيجة هذه المطالب ستون نائبا في البرلمان لمزاولة الشعائر الدينية ، ووزعت هذه المطالب في نشرة علي النواب والمسئولين وقواد الجيش ، مما أدي إلي وقوع صدام حاد بين رئيس الدولة وبديع الزمان .

وفي أحد الأيام اجتمع رئيس الدولة مصطفي كمال أتاتورك ببديع الزمان في ديوان الرئاسة ، بحضور عدد كبير من النواب ، قال رئيس الدولة : إننا بحاجة إلي شيخ بطل أمثالك ، طلبنا مقابلتكم لكي نستفيد من أفكاركم النيرة ، فكان أول ما طلبتموه منا ، إقامة الصلاة ، فأوقعتم الخلاف بيننا ، عندئذ يتلو بديع الزمان الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، التي تبين مقام الصلاة ومكانتها في الإسلام ، ثم يشير محتدا إلي عين رئيس الدولة ويقول : باشا باشا إن أعظم الحقائق التي تلي الإيمان هي الصلاة ، إن تارك الصلاة خائن ، وحكم الخائن مردود .

ولما ألف من رسائل النور مقاله العاشر الذي يبحث عن يوم الحشر ، وطبع في استنبول سرا ، وانتشر في المدينة وما جاورها من المدن والمحافظات ، اتخذه الحاكمون ذريعة لإلقاء القبض عليه فاقتيد في السجن هو ومئة وعشرون من تلاميذه ، ثم ذُهب به وبمن معه إلي أسكيشهر ، حيث جرت المحاكمة التي دامت جلساتها عشرة أشهر وأسفرت النتيجة عن الحكم علي خمسة من تلاميذه بالسجن ستة أشهر ، ولعد ثبوت التهم الموجهة إلي الشيخ النورسي بالأدلة القانونية ، فقد حكمت المحكمة علي ذمة الحاكم بالسجن له سنة واحدة ، وقد استند الحاكم في حكمه علي أن سعيدا النورسي خالف العلمانية التي هي مذهب الدولة بمؤلفاته ، وعمل علي تقطيع أوصال الثورة الكمالية بكتابة رسائل منها : رسالة الحجاب ، وعمل بدفاعه عن القرآن ضد الحكم وقانونه المدني !!.

فقال الشيخ النورسي في دفاعه عن القرآن ودعوته والاتهامات الموجهة غليه مخاطبا أعضاء المحكمة :

 

أيها الحاكمون لو كان هذا السجن المؤلم متعلقا بحياتي وبشخصي لسكتُّ كما سكت عشر سنين مضت ، ولكنه متعلق بحياة الكثيرين أو سعادتهم ، وبرسائل النور كاشفة الحقائق القرآنية ، فلو كان لي مئة رأس وقطع كل يوم رأس ما تركت الأمر وإن أجل الله لآت ، إذا نجوت منكم فلا منجي من الموت .
كان هذا الرجل العظيم لا يفتأ يخرج من المحكة بريئا حتي يساق إلي محكمة أخرى متهما. وقد سيق ما بين سنة 1950 إلي 1960م إلي 47 محكمة ، انتهت جميعها ببراءته .
وكان لا يتواني عن تقديم نصيحة للحكام ويبين لهم بأن الشعب لا يريد إلا حرية العمل الإسلامي وإفساح المجال لدعاة الإسلام واستدل علي ذلك بأن الحكم حاز علي ثقة الشعب ، بمجرد السماح برفع شعار الآذان باللغة العربية .

 

ونبه علي الخطر الشيوعي المحيط بالعالم الإسلامي وقال: إن الذين لا يقبلون بالشيوعية عليهم أن يتجهوا كليا إلي الإسلام ، فالإسلام وحده كفيل بدحض الشيوعية . وعليهم بقراءة رسائل النور التي تشرح الإسلام علي لغة العصر الحديث وتحل المشاكل بالأدلة المنطقية والعقلية .

وطالب الحكومة بإعادة فتح مسجد آيا صوفيا للصلاة ، وجعل الدروس الدينية إلزامية في المدارس وألح عليهم بضرورة تقوية الروابط والأواصر مع سائر الدول الإسلامية ، وفيما يلي نموذج من رسائله ونصائحه للحكام :  

إن غايتنا المنشودة وهدفنا الذي نصبوا إليه والعمل الذي نجهد أنفسنا له والطريق الذي نسلكه في سبيله هو إنارة الطريق للذين لا حيلة لهم ليهتدوا إلي الصراط السوي إلي شرع الله تعالي وهدي نبيه وشرعة القرآن وإنقاذ هذه الأمة من المتاهات والظلمات إلي النور والسعادة .

 

إلي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء:

 

من رجل علي شفير القبر جاوز الثمانين وابتلي بعدة أمراض شيخ غريب عاجز أريد أن أبين لكم حقيقتين أولهما :

 

 

 

أنكم بتعاونكم الوثيق مع العراق والباكستان أثلجتم صدورنا وأرجو ان يعود هذا التعاون بالنفع لخير أربعمائة مليون مسلم ، وأتمني أن يكون ذلك مقدمة لتعاون أشمل وقد رأيت لزاما عليّ أن أكتب عليكم في ذلك إنني كما يعلم الجميع تركت الدنيا والسياسة منذ أكثر من أربعين سنة ولكن سلوك العرب والباكستان طريق القرآن والخلاص من الذي هم فيه ووجود جماعة للنور هناك تزيد علي أضعاف الموجودين هنا جعلني في آخر حياتي أن أري ثمرات الحقائق القرآنية بأم عيني وأن أبين للناس ما رأيته من هذه الحقائق .
ثانيا / لقد ظهرت أضرار النعرة القومية والعصبية عندما أودت بدولة الأمويين وفرقت الناس شر فرقة كما أضرت العصبية العربية بإخوانهم الأتراك وإني لأحس بوضوح بأن هناك أيادي خفية تحاول إثارة النعرة القومية من جديد فيضطرب الأمن والاستقرار ويعم البلاء وبذلك يسعد أعداء هذه الأمة ويرقصون طربا لمصائبها . تلك هي فترة القومية فطروا وجبلوا عليها . إن الأتراك قوم لا يمكنهم الانفصال عن الإسلام وهم جزء غير قابل للانفصال عن الأمة الإسلامية حتى إن غير المسلم فيهم لا يكون تركيا ، فكل تركي مسلم .
وكذا العرب أثر الإسلام فيهم فلا يمكنهم الانفصال عنه والانفصام ، فلا معني للعرب ، ولا مكان إلا إذا اقترنت عروبتهم بإسلامهم فالقومية خطر عظيم .

 

  • (انظر العلماء العزاب لأبي غدة 238) .

يقول الأستاذ عاصم الحسيني :

 

حدث في تركيا المسلمة ما حدث بيد أنهم لعل من أهم وأخطر ما حدث ، هو الحيلولة دون الشعب التركي المسلم ، والتمتع بذخائره الروحية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من كيانه الفردي والجماعي ، وهي عنده قبل كل شيء وفوق كل شيء ، بل ولعلها أعز وأنفس ما يملك في حياتيه الدنيا والآخرة .
وقد بذلت محاولات غاشمة لإسدال ستار من الكتمان علي ذخائر هذا الشعب المسلم الثمينة تلك ، وحمله قصرا وبشتى الوسائل علي التنكر والنسيان لماضيه المجيد الذي سجل فيه أروع آيات البطولة والتفاني في سبيل إعلاء كلمة الله ورفع راية القرآن .
وانطلق ألسنة المأجورين والعملاء لتروج للزندقة والإلحاد وتعلن شريعة الكفر في وضح النهار ، هذا في الوقت الذي خرصت فيه ألسنة كثيرة كانت تري في نفسها الناطق باسم الإسلام والزائد عن حياضه ، والساهر علي حماه ، من أن تنتهك أو تستباح وساد سماء تركيا المسلمة صمت رهيب أخذت علي أسره جحافل الظلام القاتم تضرب أطنابها الثقيلة في سائر أرجاء البلاد حتى ظن المرجفون والذين في قلوبهم مرض أن عرش سلطتهم قد انتصب ، وعلم دينهم قد رفرف ، وكم غريب حقا أن يصبح الانتماء إلي الإسلام في قلعة الإسلام علي مدى عصور ذنبا يحاسب عليه القصور وجريمة تقع تحت طائل العقاب .
وهنا يعلو صوت شجاع ليكسر جدار الصمت ، ويشق حجب الظلام ، فيعلن في قوة وإصرار : لا ، لا كفر ولا زندقة ولا ردة ولا إلحاد ، لو كان لي من الرؤوس بعدد ما جسدي من شعر وفصل كل يوم واحد منها عن جسمي فلن أحمي هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق . ولم تكن كلمة لا هذه بالتي تطلق فتذروها الرياح أو تلفظ فيبتلعها الهواء ، وتضيع في ضجيج الزحام ، بل كان لها دوي هائل تردد صداه في طول البلاد وعرضها قامت علي أثره الألوف بل الملايين من جماهير الشعب التركي المسلم ، ليرددوا بلسان واحد وقلب واحد : "لا ، لن نرضي بالكفر ولن نقبل الردة والانحراف ، لا تنكر للماضي ولا تناسي لتلك البطولات والأمجاد" وها هنا يتجلي قول الله تعالي (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) .
وهكذا تدخل تركيا المسلمة مرحلة جدية من مراحل الصراع بين أنصار الحق وأتباع الباطل وتفتح صفحة أخرى من صفحات النزاع بين قانون الأرض ومنهاج السماء وكأنما التاريخ يعيد نفسه ليذكرنا بما كان وما سوف يكون علي أرض الله ويبين عباد الله.
ولعل موطن العبرة في صفحتنا هذه هو المعجزة الخارقة التي يستطيع أن يفعلها الإيمان الشجاع ، فها هو ذا صاحب ذلك الصوت المؤمن المدوي مائل أمام محكمة جميع أعضائها ممن تنكروا لفطرهم السليمة وأبوا إلا أن يضربوا صفحا عن الإصغاء لصوت الحق وصرة الضمير .
فماذا كان ينتظر منه أن يفعل ؟ هل يصانعهم ؟! وهو المؤمن الذي يري أن دين الله لا يقبل المصانعة والمماراة ؟! أم يستدر عطفهم ؟! وهو يعلم يقينا أنه ما جاء ليحاكم بل يسمع ما صدر ضده مقدما من أحكام !
كلا .. لا هذا ولا ذاك .
لقد تقدمت إليكم بطلب لا لإخلاء سبيلي وإبراء ساحتى كما هو المعهود ولكن لإنزال أشد العقاب عليّ . هذا هو الرد الحاسم الصريح وهذه هي اللغة التي يفهمونها والتي ينبغي أن يخاطبوا بها ، أما لغة الاستدرار والمصانعة فهي شأن الجبناء والضعفاء ، وإذا كانوا عاجزين عن إدراك معنى هذا الرد ، حق الإدراك فلا مناص من الفصل والإيضاح.
ألا فلتعلموا جيدا بأنه لو كان لي ألف روح فإنني مستعد للتضحية بها في سبيل الإيمان والآخرة ، وهكذا نراه يتحدي أعضاء المحكمة في شموخ وكبرياء ويتركهم في دهشة وذهول لم يجد إزاءهما أحد القضاة ، بدا من الاعتراف بالقول : إنني شخصيا لم أري رجلا مثله قط ، إنه يبصق علي الموت ، كل شيء يهابه حتى الموت !!

 

نعم إن الموت كان يهابه لأنه لم يكن يهاب الموت ، وكان يعلم حق العلم ، أن الموت بالنسبة لنا تذكرة مرور وتأشيرة دخول إلي عالم النور والسعادة .

 

والرجل الذي يبلغ به عمق الإيمان هذا المبلغ ، لن يتردد في القول أن الحقيقة التي افتدتها ملايين الناس برءوسهم ، فداء لها رأسنا أيضا .
وإن الآلاف بل الملايين من مجاهدي الإيمان الذين انسلخت جهودهم في سبيل الحقائق الإيمانية ينبغي أن يكونوا قدوة ومثلا لنا ، وإذا قيل له : إنك بكتاباتك ورسائلك هذه تفسد علينا مدنيتنا وتحول دون تمتعنا بمباهج الحياة وملذاتها ، يكون جوابه : إنني لا أتدخل في شئون دنياكم ولكن هناك حقيقة لا ينبغي التغافل عنها أو الانتقاص من شأنها وهي أنه لا يمكن لأي شعب أن يعيش بدون دين ، هذا دستور عام معترف به في الدنيا كلها ، فإذا كانت هذه هي الحقيقة بالنسبة للدنيا كلها ، فإن لا سيما ميزة خاصة وطابعا معينا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار ، إذ ليس من حق أحد أن ينزع الإيمان من آسيا التي هي مهبط الوحي ومهد الأديان .
وقد يتساءل المرء من أين استمد هذا الرجل تلك القوة الخارقة ؟ التي استطاع أن يواجه بها هذا التيار الجارف من الطغيان والفساد يحارب الكفر ويقتحم أوقار الردة والزيغ والانحراف وهو يهتف قائلا إنني أتحدي أوربا بأسرها بما فيها ملاحدتكم .
والجواب في كلمة واحدة هو : الإيمان ، القرآن ، إنني بفضل الإيمان وبحكم مهنتي التي هي عبارة عن سمسرة القرآن في قوة خمسين مليون شخص . الإيمان والقرآن .
وبعبارة أخري ، الإيمان النابع من القرآن ، هذا هو كل ما يملكه من قوة ، وهي قوة كم طأطأت لها هامات واهتزت لها عروش وتيجان ، والذي يملك هذه القوة لن ترهبه التهديدات ولن تبهره جلالة الرتب والأسماء ولا يقيم وزنا لضخامة العدد والعتاد . فإنهم لو جندوا الدنيا بأسرها ضدنا فلن ننهزم ولن نغلب بعون الله وقوة القرآن ولا يمكن أن نسلم القياد لأولئك المرتدين والملاحدة والزنادقة بأي حال من أحوال .
والمقام يضيق جدا عن تعداد مآثر وأعمال الأستاذ المعلم ويكفي أن ننوه بأنه يعد بحق مؤسس مدرسة فكرية رائدة تنتظم فيها الآلاف بل الملايين من جماهير الشعب التركي المسلم علي مختلف الأعمار والمستويات .
وهذه المدرسة تعرف باسم مدارس رسائل النور وهي منتشرة في جميع أنحاء البلاد بقراها ومدنها المختلفة ، ومدارسه : رسائل الأستاذ التي تبلغ حوالي 130 رسالة وهذه الرسائل عبارة عن شرح وتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتعالج بجانب ذلك الكثير من القضايا والمشاكل التي تهم العالم الإسلامي وغيره .
ولسنا نجاوز الواقع أو نغمط الحق في شيء إذا قررنا بأن الأستاذ يعد بحق باعث النهضة الدينية في تركيا ، ويعتبر رائدا من أكبر رواد الحركات الإسلامية في عصرنا الحديث .

 

  • (انظر : بديع الزمان النورسي للأستاذ إحسان الصالحي ، ط/ دار الوفاء 1988م ، وكتاب : سيرة إمام مجدد لعاصم الحسيني) .

ولا يقدر جهد النورسي إلا من يلتفت إلي الوسط الإعلامي الذي عاش فيه ويرصد التيار المكتسح الغالب الذي شق مجراه مصطفي كمال في تركيا بعد أن أسقط الخلافة .

إذ جعل الحديث الطيب عن الإسلام واللغة العربية والقرآن جرما فادحا ، ورجع بالتأخر الذي حاق بالبلاد الإسلامية ، إلي الإسلام نفسه ، وجمع حوله من الوصوليين من ملؤوا الصحف والإذاعات بالحرب الدامية علي من وصمهم بالفساد والجناية والرشوة والانحلال !

وعُقدت المحاكمات الظالمة لمن أراد أن يحق الحق ويبطل الباطل مستعينا بأدلته من الكتاب والسنة ووثائق التاريخ .

وإذا لم يستطع الكماليون مناقشة ما لديهم من الحجج الدامغة ، فإنهم يتجاوزون الأدلة القرآنية والبراهين الإسلامية إلي الاتهام الشخصي ، وتلفيق الوقائع الكاذبة ذات الشهود المأجورة ، وكم زج في السجون من أبرياء راحوا ضحية الادعاء الآفك ، بل كم أزهقت أرواح بريئة كل سيئاتها أنها تعتصم بكتاب الله !!

وإذا كانت مكانة سعيد النورسي في وطنه مما لا تخفي علي أحد ، وإذا كان إخلاصه الوطني ويقينه الإيماني وطهارة كفه ونظافة سلوكه مما لا يرقي إليه الشك فقد حاول أتاتورك أن يستميله بالمنصب اللامع ، والجاه البراق ، والذهب الوهاج ، كما استمال ضعاف النفوس من مواطنيه حتى أفقدهم عقولهم ، فتنكروا لتاريخهم وتهكموا بدينهم ! حاول مصطفي كمال ذلك بنفسه تارة وبأعوانه في الحكم والتعليم ومجلس الأمة الكبير ، فوجد الإباء الجاد ، والعنف الصارم ، فلم ير أمامه منقذا غير ظلمات السجون !.

والطغاة في كل زمان ومكان يظنون السجون نهاية خاتمة ، وما دروا أن ظلمات المعتقلات ليل يُفضي إلي فجر وضيء !

فمن ظلمات هذه السجون توهج الغيظ حتى أصبح نارا تشتعل وتضيء ، تشتعل لتحرق هشيم الإفك والبغي ، وتضيء لتفتح الطريق لصباح جديد ، وقد مست البأساء والضراء ذوي الحق ، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله ؟ فيكون الرد الحاسم : ألا إن نصر الله قريب .

من ميزة بديع الزمان أنه قرأ القرآن والحديث وتاريخ الإسلام قراءة الحاذق البصير من لدن يفاعته ، فعرف الأصول الثابتة في التشريع ، ونظر بعين الغضب إلي ما جد من تأويلات ، وتخريجات أصابت التراث الإسلامي بالعوَر .

فهي ليست جزءا منه ، ولكنها أداة لسقامه ، عرف ذلك كله ، ثم درس رجال عصره ، من محترفي السياسة دراسة واعية فعرف بعد الاتحاديين ، وبعدهم الكماليون عن الإسلام ، بل عرف غضبهم الحاقد عليه ، لأنه في جوهره عدو الاستعباد والقهر . وهم في أنفسهم أصحاب قهر ، وإن تظاهروا بالإصلاح وإذا كانوا ينسبون الاستبداد للخليفة لبعض أشياء حسبت عليه ، فإن ما قيل عنه في المنطق الصحيح ذرة من الذرات إذا قيست بما يقترفون.

والخلاصة أن بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله هون من أحيا التعاليم الإسلامية في تركيا ، وهو من قام بحركة البعث والإحياء هناك وحده ، وكان يواجه طغاة العلمانيين المتطرفين ، وكان لا يبالي ببطشهم . وصنيعه في تركيا أقرب لصنيع الإمام المجدد حسن البنا في مصر ، فالبيئة إلي حد ما متشابهة ، حيث جاء الإمام الشهيد وخاض المعارك الفكرية ضد الليبرالية المتوحشة واللائكية المتجذرة في المجتمع ، وعمل علي إصلاح الحياة الدينية التي لا تبالي إلا بالقشور والفروع والثانويات التي تُقام المعارك الطاحنة من أجلها ، فعمل الإمام البنا علي إصلاح كل ذلك وتقويمه وترشيده ، ولا ننسي أنه خاض حرب فلسطين 48 ، وفي نفس الوقت الذي كان فيه حسن البنا يبعث روح الإسلام في مصر ، ويعيد مكانته إلي القلوب المؤمنة ، ويتفاعل هو وجماعته مع المنظومة الحياتية لهذا الدين الحنيف ، في نفس هذا الوقت ، كان بديع الزمان يعمل علي إحياء دين قد مات أو كاد ، في تركيا ، حيث سعي المنقلبون لزحزحة هذا الدين من مكانته ، وعملوا علي طمس هوية الأتراك المسلمة ، وأقاموا محاكم التفتيش الظالمة ، لكن الله يخلق رجالا أفذاذا لا يبالون إلا بالتضحية في سبيله ، ينشرون الرسالة ، ويضعون المنهج ، ويوصلون الناس إلي مراشد النور ومسالك الهدي ، وكان علي رأس هؤلاء في تركيا بديع الزمان رحمه الله .

و في تركيا الان يعرض فيلم"الرجل الحر"و الذي  يعرض قصة حياة الشيخ سعيد النورس .

 

 القراءة : 1831

الطباعة : 3

الارسال : 0

التعليق: 2


شبهات وردود
 أحمد جهيد شويته
 كفرالشيخ سخا بالمملكة العربية السعودية
 رحم الله علماء الأمة ومجاهديها رحمة واسعة
 لطفي عبدالرحمن
 
 الصورة التابعة للمقال غلاف فيلم انتج لقصة حياته. فيلم اكثر من رائع رحمك الله يا شيخ احمد سعيد النورسي
1