زاد الدعاة

من نفحات شهر شعبان واجبات عملية لتغير الذات
 

 

 

 تعيش الأمة الإسلامية أيامًا طيبةً مباركةً، نفحات ورحمات ربانية، أخبر عنها المعصوم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في حديثه: "ألا إن لله في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها، فإنَّ مَن تعرَّض لنفحة من نفحات الله لم يعذبه الله أبدًا".

 

يأتي شهر شعبان من كلِّ عام ليفيض علينا من الخيرات والبركات والرحمات والذكريات الطيبة المباركة ما نحن في أَمَسِّ الحاجة إليه، فلهذا الشهر مكانة كبيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لفضل هذا الشهر، بقطع النظر عن ليلة النصف من شعبان، فشهر شعبان كله متميز من أشهر العام، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحفل به بعد شهر رمضان كما لم يكن يحفل بأي شهر من شهور العام، هذا الشهر هو الشهر الذي تُرفع فيه الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى كما قال عليه الصلاة والسلام، وهو الشهر الذي يرحم الله- عز وجل- فيه المسترحمين، ويغفر لعباده المستغفرين، هذا الشهر شهر يعتق الله سبحانه وتعالى فيه أعدادًا لا تُحصى.. لا يحصيها إلا الله- عز وجل- من النار، ولقد روى أسامة بن زيد عن رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه سأله قائلاً‏:‏ يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من شهور العام كما تصوم من شهر شعبان، فقال عليه الصلاة والسلام "‏ذلك شهر يغفل عنه كثير من الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى الله- عز وجل-، فأحب أن يرتفع عملي إلى الله وأنا صائم"‏، أخرجه النسائي، وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ "‏ما من شهر أكثر صيامًا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- منه في شهر شعبان"‏، والسبب ما قد ذكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر الذي رواه أسامة بن زيد‏.‏

 

وروى البيهقي بإسناد جيد كما قال عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت‏:‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فصلى وسجد وأطال السجود حتى ظننت أنه قد قُبض، فلما رأيت ذلك قمت وحركت أنمله فتحرك، فرجعت فسمعته يقول في سجوده‏:‏ "‏اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، فلما سلَّم قال لي "يا عائشة:‏ أظننت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خاس بك‏؟"‏ قلت لا والله يا رسول الله، ولكنني ظننت أنك قد قُبِضت- أي لطول سجوده وعدم تحركه- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "أتعلمين أي ليلة هذه‏؟‏" قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، "قال‏:‏ إنها ليلة النصف من شعبان، يَطَّلِع الله عزَّ وجلَّ فيها على عباده فيقول‏:‏ ألا هل من مستغفر فأغفر له، ألا هل من سائل فأعطيه، ألا هل من داع فأستجيب له، ويؤخر أهل الأحقاد كما هم"،‏ والأحاديث التي وردت في فضل شعبان عمومًا، وليلة النصف من شعبان جزء من ليالي هذا الشهر المبارك كثيرة، وهي في جملتها صحيحة وقوية لا يلحقها الريب‏.‏

 

أيها الإخوة نحن كلنا بحاجة إلى أن ننتهز فرص تجليات الله تعالى على عباد الله بالرحمة، نحن كما تعلمون مثقلون بالأوزار، ولسنا نملك- والحالة هذه- سوى أن نتصيد هذه الأوقات التي أنبأ عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، والتي يتجلى الله عز وجل فيها على عباده بالرحمة، ليس لنا من سبيل إلا أن ننتهز هذه الفرص لنتعرض لرحمة الله، نتعرض لمغفرته، نتعرض لإكرامه، ونبسط أكف الضراعة والافتقار إليه، داعين متضرعين أن يخفف عنَّا عزَّ وجلَّ من ذنوبنا، وأن يكرمنا بالعفو والعافية التامة، وأن يرحم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مما قد أصابها‏.

 

فرصة بين يدي شهر رمضان المبارك تتمثل في هذا الشهر الذي يغفل عنه كثير من الناس كما قال رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أتأمل وأنظر في رحمة الله عزَّ وجلَّ، المفروض أن يكون العبد المسرف على نفسه المثقل بالأوزار هو السبّاق إلى باب الله عزَّ وجلَّ يطرقه ويستجدي منه المغفرة والصفح، ولكن الأمر يجري على العكس من ذلك، الله عز وجل هو الذي يلاحق عباده، هو الذي يلاحق التائهين المعرضين الغافلين السادرين في غيِّهم، يدعوهم إلى أن يعودوا فيصطلحوا معه، يدعوهم إلى أن يعودوا فيجددوا البيعة له، يدعوهم أن يعودوا إلى رحابه ليرحمهم وليغفر لهم وليحط عنهم من أوزارهم وآصارهم.

 

تلك صورة من صور رحمة الله عزَّ وجلَّ بعباده، إنها لظاهرة تجعل الإنسان يذوب خجلاً من الله، بل محبة لله عز وجل أن يلاحق الله عز وجل عباده الشاردين التائهين العاصين له، العاكفين على أوزارهم في مثل هذا الشهر المبارك، ليقول لهم‏:‏ أما آن لكم أن تعودوا، أما آن لكم أن ترفعوا رءوسكم عن الغي قبل أن تنتهي الفرصة ويحين المعاد، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ‏﴾ (الحديد: من الآية 16) تلك صورة من أجلِّ صور رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، ولكني إذ أقول هذا أيها الإخوة لا أعني ما قد يفهمه بعض الناس من أن المسلم يغنيه أن يلتفت إلى الله عز وجل في مثل هذه الفرص فيتزود لنفسه بالكثير أو القليل من رحمات الله عز وجل ومغفرته، حتى إذا زالت هذه الفرصة وانطوت عاد مرة أخرى إلى غيِّه، عاد مرة أخرى إلى شروده وانحرافه.

 

إنَّ في تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام (الكعبة) حِكَمًا تربويةً عظيمةً، فحين اتجه المسلمون إلى المسجد الأقصى مستجيبين لأمر ربهم، لعلهم يَصِلُوا إلى هذه الحِكَم، ومنها:-

 

أ- خلع كل شيء من القلب إلا الله، فلا يتعلق القلب إلا بالله، لا بيت ولا ولد ولا زوجة ولا مال ولا وظيفة ولا كرسي (كل ذلك)، لا قيمةَ له أمام مراد الله فيصير المسلم عبدًا يُقدِّم حكمَ الله على ما يحب طالما أنه لا يوافق شرعه.

 

ب- كان العرب يُعظِّمون البيت الحرام في الجاهلية، فأراد الله لهم أن يتجهوا إلى المسجد الأقصى (قبلة اليهود والنصارى) تاركين بيت الله؛ ليكون سبحانه هو العظيم المستحق ذلك، فلا نخضع لعظيمٍ سواه، والبيت بيته وعظمته مستمدة من الله.

 

ح- إمامة الأمة ووراثة الأمانة (الديانات السابقة)، فالإسلام هو الدين الخاتم وهو الدين الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143)، فأمتنا أمة وسط بكلِّ معاني الوسطية سواء من الوساطة (الحسن) أو (الاعتدال) أو (القصد)، أمة تتبع الفطرة السليمة في التفكير والشعور، في التنظيم والتنسيق، لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا تدعها للتشريع والتأديب، ولكن ترفع الضمائر البشرية بالتوجيه والتهذيب، أمة وسط في العلاقات والارتباطات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا شخصية الجماعة أو الدولة، وإنما تطلق من النوازع والخصائص ما يُحقق شخصية الفرد وكيانه، وكذلك الدولة والجماعة.

 

د- إن التوجه لله في المشرق والمغرب والارتباط به سبحانه وتشريعه ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 115).

 

ومع كلِّ ذلك نرى الذكرى تُطِلُّ علينا مواقف لا بد أن نقف أمامها منها:-

إن موقف اليهود من الإسلام واضحٌ بيِّنٌ منذ أول يومٍ صدع فيه رسول الله بدعوته، فنرى حسدهم وبغضهم ومكرهم وتدبيرهم وتأليب القبائل على المسلمين والحُكَّام الموالين لهم على الحركات الإسلامية وكلِّ قوة إسلامية تظهر في أي مكان، وصدق ربنا حيث قال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: من الآية 82)، ونرى ذلك في الحديث الجامع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يُظْهِرُ بعض مواطن حسدهم، روى الإمام أحمد في مسنده عن السيدة عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني في أهل الكتاب-: "إِنَّهُمْ لاَ يَحْسُدُونَنَا عَلَى شَيءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى يَوْمِ الْجُمَعةِ التَّي هَدَانَا اللهُ إِلَيْهَا وَضَلُّوا عَنَّهَا، وَعَلَى الْقِبْلَة التَّي هدَانَا اللهُ إِلَيْهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الإِمَامِ آمِين".

 

واجبات عملية في شعبان

1- الصوم:

فقد كان شهر شعبان من أحبِّ الشهور لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوم فيه، ففي روايةٍ لأبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ أحَبَّ الشّهُورِ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ ثُمّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ". صحَّحَه الألبانيّ انظر صحيح سنن أبي داود، ‏وأنَّ من الاقتداء برسولنا صلى الله عليه وسلم أن نحب ما أحبه رسول الله.

 

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ رسولُ اللهِ يَصُومُ حتى نقول لا يُفْطِر، ويُفْطِر حتى نقول لا يَصُوم، وما رأيتُ رسولَ اللهِ استَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ إلاَّ رمضانَ، وما رَأيتُه أكثر صيامًا منه في شعبان" (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية لمسلم: "كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاّ قَلِيلاً"، وقد رَجَّحَ طائفة من العلماء منهم ابن المبارك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره، ويشهد له ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "مَا عَلِمْتُهُ- تعني النبي صلى الله عليه وسلم- صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلاّ رَمَضَانَ"، وفي رواية له أيضًا عنها قالت: "مَا رَأيتُهُ صَامَ شَهْرَاً كَامِلاً مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رمضان"، وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: "مَا صَامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَهْرًا كَامِلاً غَيْرَ رَمَضَان"، وكان ابن عباس يكره أن يصوم شهرًا كاملاً غير رمضان، قال ابنُ حَجَر رحمه الله: كان صيامه في شعبان تَطَوَّعًا أكثر من صيامه فيما سواه وكان يصوم معظم شعبان.

 

‏وللصيام عامة فضلٌ كبيرٌ وجزاء عظيم، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ- رَضِيَ اللّهُ عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللّهِ إِلاّ بَاعَدَ اللّهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"، متفق عليه، وقد روى الإمام أحمد في مسنده ‏عَنْ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ".

 

وكذلك من فوائد صوم شعبان أنَّ صيامه كالتمرين على صيامِ رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرَّن على الصيام واعتاده فيدخل رمضان بقوة ونشاط.

 

2- المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة:

وقد تعددت الأحاديث التي ذكرت لنا فضل المحافظة على صلاة الجماعة والترهيب من تركها مع القدرة عليها، فعن ابن عمر- رَضيَ اللَّهُ عَنهُ- أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: "صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِن صَلاَةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة" (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ)، والفَذّ أي المنفرد، يقال: فَذَّ الرجل من أصحابه إذا بَقِيَ منفردًا وحده، ‏وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: مَنْ سَرّهُ أَنْ يَلْقَى الله غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنّ، فَإِنّ الله شَرَعَ لِنَبِيّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَىَ، وَإِنّهُنّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَىَ، وَلَوْ أَنّكُمْ صَلّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلّي هَذَا الْمُتَخَلّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنّةَ نَبِيّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنّةَ نَبِيّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهّرُ فَيُحْسِنُ الطّهُورَ ثُمّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلاّ كَتَبَ الله لَهُ بِكلّ خَطْوَةٍ يَخْطوَها حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطّ عَنْهُ بِهَا سَيّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلّفُ عَنْهَا إِلاّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرّجُلُ يُؤْتَىَ بِهِ يُهَادَىَ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ حَتّى يُقَامَ فِي الصّفّ"، وفي شرح الحديث يقول الإمام النووي: "ومعنى يُهَادَى أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما"، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمُّل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصُّل إليها استحب له حضورها. والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

 

3- قراءة القرآن وختمه وحفظه ومراجعته:

وهذا من أعظم أبواب الخير، وله من الفضل والأجر الكبير عند الله عزَّ وجل، فعن عَبْدِ الله بنَ مَسْعُودٍ قال: قالَ رَسُولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًَا مِنْ كِتَابِ الله فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لاَ أَقُولُ آلم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْف ولامٌ حَرْفٌ وَميمٌ حَرْفٌ"، رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

 

ولمَّا كان شعبان كالمُقَدِّمة لرمضان، فإنه يكون فيه شيء مما يكون في رمضان، من الصيام وقراءة القرآن والصدقة، قال سلمة بن سهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القُرَّاء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القُرَّاء، وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرَّغ لقراءة القرآن.

 

4- الدعاء لقبلة المسلمين الأولى:

ففي شهر شعبان كان تحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: من الآية 144)، ولا أقول ونحن نرى ما يحدث للمسجد الأقصى أولى القبلتين أن نتذكره، ولو بالدعاء أن يعيده الله لنا، وأن يحرره من أيدي اليهود المغتصبين.

 

5- التعود على قيام الليل:

فكثير من المسلمين لا يحرص على قيام الليل إلا في رمضان، ومَن يحرص عليها في رمضان يجد في الحرص عليها مشقة كبيرة، وأرى أنَّ سبب ذلك هو عدم التعود على القيام في غير شهر رمضان، وحين تُفاجئنا صلاة القيام في رمضان نجد مشقةً كبرى في المحافظة عليها، ولو أنَّ أجسامنا تعودت قبل رمضان وطوال العام على صلاة القيام مَا وجدنا مشقةً في المحافظة عليها في رمضان، فلا أقلَّ من أن تحرص على صلاة القيام في شعبان من باب التعوُّد على القيام قبل رمضان، ولو بركعتين خفيفتين في جوف الليل، وإن لم يكن فبعد صلاة العشاء أو قبل النوم، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن القَاسِم بن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَىَ الله تَعَالَىَ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلّ"، قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ.

 

6- إصلاح ذات البَيْن:

 فكما سبق في الحديث أنَّ شهر شعبان هو الشهر الذي تُعرض فيه الأعمال على الله عزَّ وجل، فأَحَبَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يكون على حالة من الطاعة وقت عرض الأعمال على رب العالمين، وهذا فيه لَفْتٌ لأنظار الأمة من بعده في هذا الشهر الكريم، أن يحاول المسلم أن يكون على أكمل حال من الطاعة في شهر شعبان وقت عرض الأعمال على الله عزَّ وجل، وهذا مدعاة أن ينظر الله إليه نظرة رحمة ومغفرة، إن كان من تقصير في أعماله المعروضة على رب العالمين، ولا شك أن إصلاح ذات البين وإنهاء الخصومات من أكبر الطاعات المطلوبة، خصوصًا في هذا الشهر الكريم؛ وذلك لما لها من فضل كبير، فعَنْ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏قَالَ: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "‏أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ"؟. قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "صَلاحُ ‏ ‏ذَاتِ الْبَيْنِ؛ ‏فَإِنَّ فَسَادَ ‏ذَاتِ الْبَيْنِ ‏هِيَ الْحَالِقَةُ" (رواه الترمذي)، وقال: ‏هَذَا ‏حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

 

‏‏وَيُرْوَى عَنْ ‏النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَنَّهُ قَالَ: "‏هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ"، وفي تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي يقول: ‏"قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحَالِقَةُ: الْخَصْلَةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تحْلِقَ، أَيْ تُهْلِكَ وَتَسْتَأْصِلَ الدِّينَ، كَمَا يَسْتَأْصِلُ الْمُوسَى الشَّعْرَ، وَقِيلَ هِيَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالتَّظَالُمُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي إِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَاجْتِنَابٌ عَنْ الإِفْسَادِ فِيهَا؛ لأَنَّ الإِصْلاحَ سَبَبٌ للاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ ثُلْمَةٌ فِي الدِّينِ، فَمَنْ تَعَاطَى إِصْلاحَهَا وَرَفعَ فَسَادِهَا نَالَ دَرَجَةً فَوْقَ مَا يَنَالُهُ الصَّائِمُ الْقَائِمُ الْمُشْتَغِلُ بِخُوَيْصِّةِ نَفْسِهِ"، فلا يصح أخي الكريم أن تأخذ في البناء في شهر شعبان من الأعمال الصالحة، ثم يأتي ما ينقص من هذه الأعمال أو يأتي عليها من فساد ذات البَيْنِ بينك وبين أحد من المسلمين عامة، أو من الأرحام خاصة.

 

ويكفي أن تعلم أخي الكريم خطر أمر الخصام والشحناء والبغضاء بين المسلمين، ففي حديث رواه الإمام مسلم ‏عَنْ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ: "‏تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ ‏الإثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، ‏فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا ‏‏هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ‏أَنْظِرُوا ‏هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا"، وفي رواية للإمام مسلم أيضًا: "‏تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَإثْنَيْنِ"، فالحديث يوضح أنَّ مغفرة الذنوب وقت عرض الأعمال على الله عزَّ وجل قد يؤخرها فساد ذات البَيْنِ والخصام والشحناء والبغضاء، وشهر شعبان هو وقت عرض أعمال السنة كلها على الله عزَّ وجل، فينبغي أن نبتعد فيه عن كل ما يؤخر مغفرة الذنوب، وأيُّ خصامٍ وأيُّ شحناء تستحق أن تَتَأَخَّر مغفرة الله لذنوبنا بسببها؟!.

 

ونحن مُقبِلُون بعد ذلك على شهر رمضان، وما أجمل أن نستقبل هذا الشهر المبارك بصدر رحبٍ خالٍ من الشحناء والبغضاء والخصام، بصدرٍ مملوء بالحب والخير لكل الناس.

 

فليكن شهر شعبان فرصة وبداية لإصلاح ما فسد بيننا وبين الناس

 القراءة : 789

الطباعة : 8

الارسال : 0

التعليق: 0


شبهات وردود