رسالة المرشد

دروس من خطبة الوداع.. ألا هل بلغت؟! اللهم فاشهد
 

 

رسالة من: أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد،،

فإن الأمة الإسلامية أمةٌ واحدةٌ، تجمع بين أبنائها روابطُ شتى؛ فربها واحدٌ، ورسولها واحدٌ، وكتابها واحدٌ، وقِبْلتها واحدةٌ، وعوامل تأصيل هذه الوحدة في حياة المسلمين وتجديدها متعددةٌ فيما شرعه الله لنا من عبادات.

فالصلاة يُنادَى لها فيُسرع الجميع للوقوف في صفٍّ واحدٍ دون تفرقةٍ بينهم بلونٍ أو جنسٍ، ثم تأتي صلاة الجمعة لتجمع بين أبناء الحي الواحد، وفي صلاة العيد يجتمع أهل البلد في ميدانٍ يسعهم رجالاً ونساءً وأطفالاً، فتعمُّهم البهجة ويعلوهم السرور، وتتآلف القلوب وتتصافح الأكف، ويتبادلون التهنئة.

وفي الحج يأتي الناس من كل فجٍّ عميقٍ من كل القارات ليلتقيَ الجميع في عرفات، على اختلاف الأجناس والألوان واللغات والطبقات؛ ليُعلنوا في خشوعٍ وإخباتٍ: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك".

إنها العبودية الخالصة لله، ورباط الأخوَّة بين شعوب الأرض جميعًا الذي ألَّف الله به بين قلوب المسلمين، وصدق الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 62 و63).

هذه الأخوَّة التي تتجلَّى في وقفة عرفات رباطٌ مقدسٌ بين المسلمين، افترضه الله علينا، وأوجب على المسلمين أن يشارك بعضُهم بعضًا في السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرخاء، وتشترك في الذَّوْد عن مصالحها، وتتعاون في رفع الأذى والضيم إذا نزل بأحدٍ منهم، وتعمل على ردِّ العدوان إذا لحق بأي شعبٍ مسلمٍ، وتتقدَّم بطيب نفسٍ لتتقاسم المنافع والخيرات بينها؛ فتواسيَ الشعوب المسلمة بعضُها بعضًا في شدائدها، وبذلك يحقِّقوا التوادَّ والتراحم فيما بينهم، كما قال رسول صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

أيها العالم أجمع.. أيها المسلمون أجمعون

إن خطبة حَجة الوداع دستورٌ جامعٌ لبناء الأمة الإسلامية، ومنطلقٌ لتخليص البشرية جمعاء من الشقاء والنكد، والأساس الذي سيفتح أبواب الأمن والأمان لكلِّ إنسانٍ خلقه الله ويعيش في ظلال شريعته، آمن بها أو لم يؤمن، بل إن الله ليُقرُّ للإنسان الحق المطلق في اختيار الدين، وينهى عن الإكراه، قال الله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: من الآية 256)، وقال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في القرآن المجيد: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)) (يونس: 99).

وها هي بعض ثوابت الدين التي أعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، وأشهدنا على أنه بلَّغ، وقد حمَّل الأمة أمانة التبليغ.

وفي هذه الرسالة أبلغكم بعض ما جاء في هذه الخطبة، تأديةً للأمانة التي استودعنا اللهُ وحملنا الرسولُ صلى الله عليه وسلم إياها حين قال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً".

الأخوَّة بين الناس جميعًا:

والنبيُّ صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع يضع أساسَيْن لوحدة الإنسانية:

الأول- أن ربَّهم واحدٌ، فلا مكانَ لتفضيل جنسٍ على جنسٍ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ؛ لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ".

الأساس الثاني- أن أصل الإنسانية واحدٌ؛ فمن التراب خُلقنا، وإلى التراب مرجعنا، قال صلى الله عليه وسلم: "... أَلا إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَبُّرَهَا بِآبَائِهَا؛ كُلُّكُمْ لآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، وَأَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ".

ومن هذا المنطلق فإن الإسلام ينظر إلى الناس جميعًا أنهم خلق الله، وأن أصلهم واحدٌ، فيعيش الجميع في كنفه، والتاريخ خير شاهدٍ؛ ففي مصر والشام وكل بلد دخلها الإسلام لم يُكره أحدٌ على تغيير دينه- وبقاءُ من بقي من المسيحيين متمسكين بدينهم، مؤدِّين شعائرَهم؛ أصدقُ دليلٍ على ذلك- ولم يُظلم أحدٌ في كنفه؛ فالكل شريكٌ في الوطن، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا.. ولا يظلم ربُّك أحدًا.

الوحدة في الاعتصام بحبل الله المتين:

أيها المسلمون، إن الفُرقة والتنازع التي تنشب أظفارها في جسد الأمة، وتمتدُّ أنيابها إلى قلوبها؛ أطمعت كل غاصبٍ دخيلٍ في استباحة حرماتنا، ونهْب خيراتنا، وتدنيس مقدساتنا، وكانت السبب الرئيس في ضعف قوتنا، وهي السبب في كل فشلٍ يمكن أن يلحق بالأمة: (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: من الآية 46).

وقد أرشدنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى طريقة الهداية والوقاية من الضلال، وإلى أن مرجعية كل مسلمٍ يجب أن تكون كتابَ الله وهدْيَ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَاب اللهِ". وفي رواية:

"كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)، وقال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج: 78).

وفي وقفة عرفات أعظم تطبيقٍ لهذه الوحدة؛ حيث يقف الجميع في صعيدٍ واحدٍ، وبثيابٍ واحدةٍ، بل ويتحرَّكون حركةً واحدةً منذ الصعود إلى النزول من عرفات، ووحدتهم في رجْم الشيطان، وهذه الوحدة هي الطريق الوحيدة إلى الحفاظ على حرياتنا، واسترداد عزنا ومجدنا.

ولْيعلمْ كل مسلمٍ أنه لا يَصْلُحُ آخِرُ هذه الأمةِ إلا بما صَلَحَ به أوَّلُها، وأنه إنما صَلَحَ أولُ هذه الأمةِ بالتمسُّكِ بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه، وهذا هو سبيلنا إلى النصر والتمكين والأمن والأمان، وهذا من أسس الفهم الدقيق والإيمان العميق عند الإخوان المسلمين؛ يقول الإمام البنا رحمه الله: "والقرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة مرجع كل مسلمٍ في تعرُّف أحكام الإسلام".

بناء الرقابة الذاتية:

إن بناء الأمة ونهضتها لا يتمُّ إلا برجالٍ يعملون برقابةٍ تنبعث من داخلهم، وشعورٍ بالمسئولية والمساءلة أمام رقيبٍ لا يغيب عنهم، ولا تخفى عنه خافيةٌ، وهذا ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "وستلقَوْن ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلَّغت؛ فمن كان عنده أمانة فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها".

الوصيُّة بالمرأة:

منذ أمدٍ بعيدٍ وكل كارهٍ للإسلام يتِّخذ من المرأة ذريعةً للنيل من الدين، وتصويره كأنه أهمل المرأة، وانتقص حقوقها، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بها في خطبة الوداع الجامعة، فقال: "أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا".

وقد بيَّن أن لهن من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات؛ قال الله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 228)، كما أكد الإسلام الولاء بين المؤمنين والمؤمنات، وأشركهن مع المؤمنين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)) (التوبة).

والوعد بالحياة الطيبة لمن عمل الصالحات من ذكرٍ أو أنثى سواءٌ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)) (النحل).

وأجْر الرجل والمرأة على العمل سواءٌ: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران: 195).

وهل نحن في السعي بين الصفا والمروة- والذي هو ركن الحج والعمرة- ألا نعمل ما فعلته السيدة هاجر رضي الله عنها، ونتتبَّع خطاها في سبعة أشواط؟!

حرمة الدماء والأموال والأعراض:

ما أحوجَ البشريةَ في واقعها المعاصر الذي يُدمَّر فيه كل شيء؛ فالأنفس تُقتَل، والأموال تُنهَب، والأعراض تُنتهَك، والبيوت تُدمَّر، والمقدَّسات من مساجد وكنائس تُقذَف بوسائل الحرب المُدمِّرة.. ما أحوجَ العالمَ إلى ما أعلنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم منذ خمسةَ عشرَ قرنًا في قوله: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا"!.

وأعلموا أيها الناس أن المال العامَّ ملكٌ لجميع المسلمين، ومرصودٌ لإقامة مصالحهم الدينية والدنيوية؛ فإنه محميٌّ بموجب الشرع مثل حماية المال الخاصِّ، بل إن المال العامَّ قد يكون أشدَّ حرمةً؛ لكثرة الحقوق المتعلِّقة به، وتعدُّد الذمم المالكة له؛ فإن الاعتداء عليه يكون أعظمَ حرمةً عند الله تعالى من الاعتداء على الخاصِّ.

وقف الاقتتال بين المسلمين.. ورفع الظلم:

إن العالم الإسلاميَّ في أمسِّ الحاجة إلى أن يُنصت للوصية النبويَّة بالنهي عن قتل بعضِنا بعضًا، ورفع الظلم عن الناس؛ فعَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" فَقَالَ: "لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"، وفي رواية: "وَلاَ تَظْلِمُوا".

وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن ما يقع بين المسلمين من تنازعٍ واقتتالٍ إنما هو تحريشٌ من الشيطان؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ".

ولنا في رجْم الحجيجِ الشيطانَ في أيامٍ متتابعةٍ، درسٌ بليغٌ بأن نرجم الشيطان في كل ما يوسوس به لنا، وألا نستجيب لتحريشه، ونتِّخذه عدوًّا كما أمرنا ربُّنا: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)) (فاطر).

أيها المسلمون في كل مكان، ليعلمْ كل من يريق دمًا أن ذلك تحريشٌ من الشيطان؛ فلا يتبع خطاه، وليعلمْ أن الله سيسأله عن ذلك؛ فليحذر العقوبة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عَظَّم هذا الجرم قائلاً: "لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتل نفسٍ مؤمنةٍ"، ولْيعلمْ كل ظالمٍ يقهر شعبه أن الله له بالمرصاد، وينتقم من المجرمين: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) (السجدة: 22).

الربا مُدمِّر الاقتصاد:

إن الشرع حين حرَّم الربا إنما حرَّمه لما ينطوي عليه من ظلمٍ، ولما يترتب عليه من فسادٍ، ولم يدرك العالم حقيقته إلا بعد أن اصطلى بنار الأزمة الاقتصادية الحاليَّة؛ ما دفع به إلى أن يُقر بأن الخروج من الأزمة العالميَّة لن يكون إلا بالعودة بالفائدة (الربا) إلى الصفر، وهذا ما أرساه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "كل ربًا موضوعٌ، ولكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون.. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟! اللهم فاشهد".

أيها المسلمون عامةً:

أخلصوا دينكم لله، وأسلموا قيادكم له تأسيًا بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)) (البقرة).

واصدقوا في أقوالكم وأعمالكم وجهادكم يكن الله معكم (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).

ولْنَسْمُ بأخلاقنا التي هي ثمرة ما نُكلَّف به من عباداتٍ؛ ففي الحج لا رفث ولا فسوق ولا عصيان، ولا حتى جدال؛ فكيف بما هو أكبر؟!. وأما الصلاة فتنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الصيام من لم يدع قول الزور والعمل فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه.

ولا تخافوا أعداءكم، وإن قل عتادكم وعددكم؛ فالله معكم، ومن كان الله معه كان معه كل شيء، ومن خذله الله خذله كل شيء، ولكم في سيدنا إبراهيم عليه السلام الأسوة إذ واجه النمرود ولم يَخَفْ ناره، ولم يهتزَّ إيمانُه، وكان شعاره "حسبي الله ونعم الوكيل"، فجعل الله النار بردًا وسلامًا؛ فالمسلم الصادق قويُّ الإيمان، ثابت الجنان؛ تهتزُّ الدنيا من حوله وهو كالطود الشامخ؛ لا تحرِّكه عواصفُ، ولا تنال منه شدائدُ؛ لذا كان فضل الله العظيم مالك القوى والقدر، آمرًا النار: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: من الآية 69).

لذا يجب أن نوطِّن النفس على التضحية بالمال والنفس في سبيل الله عزَّ وجلَّ، وما أعظمَ الدرسَ وأصدقه حين يستجيب ويستسلم إبراهيم وإسماعيل والسيدة هاجر لأمر الله بالتضحية بإسماعيل عليه السلام! (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) (الصافات: من الآية 102).

واستبشروا بالمستقبل الزاهر (وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ(87)) (يوسف)، ولكم في السيدة هاجر أسوةٌ إذ أخذت تبحث عن الماء.. صعدت الصفا مرةً فلم تجد شيئًا، فانطلقت إلى المروة فلم تجد شيئًا، ولم تَكْتَفِ بمرةٍ أو مرتَيْن، بل سبع مراتٍ؛ فلما تقبَّل الله جهدها وسعيها فجَّر الله لها الماء من الصخر.

واعلموا أيها المسلمون أن في الحج طهارةً من الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، ومن لم يحجَّ فله في صوم يوم عرفة طهارةٌ، قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ غُفِرَ لَهُ سَنَةٌ أَمَامَهُ وَسَنَةٌ بَعْدَهُ".

وحين تتطهَّر الأمة من ذنوبها فإن الله يستجيب دعاءها، وينصرها على أعدائها، وتتنزل عليها الرحمات.

فلْنعملْ ولْنَدْعُ إلى دين الله، ولَننشُرْ القيم والأخلاق، ولْندفعْ بكلِّ أبناء الوطن إلى العمل الجادِّ المخلص لبناء وطننا والنهوض به، ولْنُرِ اللهَ منا إخلاص النيَّة، وصدقَ العمل والثباتَ عليه، تتنزلْ علينا الرحمات من الله، ويُفِضْ علينا من خيره وبركاته، ويمنحْنا الأمن والأمان؛ فالدعاء والبلاء يعتلجان؛ فأكثروا من الدعاء.

وأُوصي الحُجَّاج والعُمَّار بالإلحاح وتكثيف الدعاء، وخاصةً في يوم عرفة، أن يصلح الله أحوال الأمة كلّها، ويردَّها إليه مردًّا جميلاً، ونردِّد جميعًا: "اللهم اجعله عيدًا سعيدًا على الأمتين الإسلامية والعربية، وأتمم نعمتك على شعوبنا المجاهدة بأن ترزقهم حكامًا صالحين يتَّقون الله فيهم، ويرعون مصالحهم رعايةً كاملةً، كما يُقسمون بالله عند تولِّيهم". 

(إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(88))(هود).

القاهرة في: 7 من ذي الحجة 1432هـ الموافق 3 من نوفمبر 2011م

 القراءة : 1072

الطباعة : 3

الارسال : 0

التعليق: 0


شبهات وردود